مغامرات عربية

مغامرات عربية

قبل بضعة أشهر، انطلقتُ لأتتبع خطى جدّ جدّي في الشرق الأوسط. بلا تصور حقيقي لما ينتظرني (بعد كل شيء مضى على ذلك أكثر من مئة عام)، أملتُ التجوال في الشوارع ذاتها، والبحث عن اللآلئ كما فعل — وحلم طال انتظاره — لقاء أحفاد تجار اللؤلؤ الذين جلسوا مع Jacques Cartier الأنيق في تلك الصورة بالأبيض والأسود على جدار مكتبتي. ما لم أتصوره كان أثر هذه الرحلة — ومن قابلتهم — فيّ شخصياً، وبالتأكيد لم أتوقع أن تجد طريقها إلى الصحف والتلفزيون وتُفضي حتى إلى صدور الطبعة العربية من "آل كارتييه" بسرعة قياسية (لتُطلق في معرض أبوظبي للكتاب الأسبوع القادم لا أقل!).

البحرين التي اختبرتُها في البداية بدت من عالم آخر مختلف تماماً عما وصفه Jacques في مذكراته. محلّ الصحراء والحمير جاءت طرق مزدحمة وناطحات سحاب (وإن وجدنا في النهاية حماراً!). البحر الأزرق العميق وحده ظل ثابتاً. كـ Jacques، ركبتُ قارباً بحثاً عن اللآلئ، لكن خلافاً له جربتُ الغوص بنفسي: أولاً في المياه الضحلة بقناع وأنبوب تنفس، ثم لاحقاً في أعماق أكبر بمعدات غوص (كان عليّ التغلب على خشيتي من الغوص في الأعماق من أجل هذا!). أي محارة وجدتُها وضعتها في الشبكة التي كنت أحملها — عملية لم تتغير كثيراً منذ قرن.

على متن القارب، أُريتُ كيفية البحث عن لؤلؤة داخل محارتها، فتحها بسكين عريض غير حاد وانتزاع الجوهرة برفق من مستقرها الهلامي في داخلها. تحدّث Jacques عن قضاء صباح كامل على القارب دون العثور على لؤلؤة تُذكر. وجدنا بعضاً لكنها كانت صغيرة جداً. لاحقاً في Jewellery Arabia رأيتُ الكثير منها، وأُعجبتُ بهذا الوشاح اللؤلؤي الرائع (أدناه) من Mattar Jewelers، شركة عائلية التقى Jacques بأجدادها قبل 112 عاماً في رحلته للبحث عن اللآلئ الطبيعية.

في ليلتي الأخيرة، نظّمت DANAT (معهد البحرين للؤلؤ والأحجار الكريمة) عشاءً لتعريفي ببعض أحفاد تجار اللؤلؤ الذين عرفهم Jacques. خلال المشروبات، التقيتُ بأولئك الذين سيعيدون معي تمثيل صورة لاحقاً مع عائلاتهم. كان الأمر مؤثراً — أكثر مما توقعتُ. أُتاح لي الحديث في كثير من المحافل حول العالم، لكن حين طُلب منّي قول بضع كلمات أمام تلك الوجوه الترحيبية تحت النجوم العربية، انتابني طوفان من المشاعر. صعب إيجاد الكلمات للتعبير عما شعرتُ به: أن خيوط التاريخ التي كنتُ أسعى لفهمها وتتبّعها طويلاً، كانت في تلك اللحظة بالذات تتلاقى من جديد.

أُعدّت مقاعد لاستعادة تلك الواردة في الصورة الأصلية، وأخذ كل منّا الخمسة موضعه (نحاول حرفياً تقليد طريقة تقاطع الأرجل عند أجدادنا). لكننا أدركنا أن الأمر لم يكن صحيحاً تماماً — كنتُ أفتقر إلى السيجارة التي كان Jacques يحملها في الصورة، وكان على شخص آخر لوازم أخرى... فنشط الحاضرون من الحشد المتفرج بحثاً عن القطع المطلوبة. سعدتُ بالوقت إذ أتاح لنا نحن الخمسة فرصة للحديث والضحك والاعتراف بذلك الارتباط المبهج. قد لا نكون عرفنا أجدادنا شخصياً، لكن بجلوسنا هنا في البلد ذاته الذي جلسوا فيه، نتشارك قصصنا مع بعضنا، كنا نعيد إلى الحياة تاريخهم — والروابط التي أقاموها. ثمة شيء قوي في ذلك.

انطلقتُ لأبحث في التاريخ لكنني لم أتوقع كم سيُثري التجربة حاضري. كنتُ أريد تتبّع المباني والزخارف التي صوّرها Jacques، لفهم عملية استخراج اللؤلؤ ومصادر الإلهام التي وجدها في الشرق الأوسط. بعض ذلك وجدتُه وبعضه لا، لكنني ربما أحمل جين جدّ جدّي الجوّاب إذ أحببتُ كل شيء. في عُمان، زرتُ الصحراء وانبهرتُ بشساعتها وإحساسها بالهدوء وعدم تغيّرها منذ أمد بعيد. في مذكراته تحدّث Jacques عن لقاء السلطان، "رجل ساحر ومستنير جداً"، في مسقط عام 1912. بعد قرن تقريباً، في مسقط أيضاً، أمام الخلفية الجبلية الخلابة وشمس الغروب في Shangri La، ألقيتُ محاضرة مع الأميرة HH Basma Al Said، المؤسسة الرائعة لأول عيادة للصحة النفسية في عُمان، عن تاريخ أجدادنا.

الأسبوع القادم، وعلى غير المتوقع، سأطلق الطبعة العربية من "آل كارتييه" في أبوظبي ودبي. دائماً ما نتعلم أموراً من الطبعات الأجنبية: كانت هذه التجربة شديدة السرعة وأفضت إلى تبادلات رائعة مع المترجمين (نادراً ما يقرأ أحد كلماتك بهذا الاهتمام). تعلّمتُ أيضاً كم كنتُ محظوظة بهذه الفرصة إذ لا تُترجم كثير من الكتب إلى العربية (قدّرت دراسة أممية عام 2003 أن نحو 10,000 كتاب فحسب قد تُرجم إلى العربية في الألفية الماضية!). دار نشري، كلمة — مبادرة من هيئة السياحة والثقافة — أُسّست عام 2007 لتغيير ذلك: وقد بدأ أثرها يُلمس بالفعل: قبل عشرين عاماً كان يُترجم نحو 300 كتاب سنوياً إلى العربية، أما الآن فالرقم أقرب إلى عشرة أضعاف ذلك.

معرض الصور

تمت ترجمة هذا المقال من اللغة الإنجليزية. عرض النص الإنجليزي الأصلي

Keep Exploring